تتمتع الصين بشبكة واسعة من المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في القرن الإفريقي، وهي منطقة تحظى بأهمية حيوية بالنسبة إلى مصالح بكين، ما يمنحها نفوذًا مباشرًا وكبيرًا على إثيوبيا. وتطرح الدكتورة نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية، تساؤلًا حول إمكانية توظيف هذا النفوذ الصيني للمساعدة في تسوية أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير بين مصر وإثيوبيا، في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين بكين والقاهرة وأديس أبابا.


وتبحث مجلة مودرن دبلوماسي، في هذا التحليل مدى قدرة الصين على استخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في إثيوبيا لدفعها نحو تسوية أزمة سد النهضة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها الاستراتيجية مع مصر. ورغم التزام بكين التقليدي بسياسة عدم التدخل، فإن قممها الأخيرة وبياناتها المشتركة مع القاهرة، التي أكدت التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي وعدم الإضرار بالأمن المائي المصري، تفتح المجال أمام دور صيني أكثر فاعلية، وإن كان بعيدًا عن الوساطة العلنية والمباشرة.

 


نفوذ الصين الاقتصادي والدبلوماسي في إثيوبيا


أعلنت الصين مؤخرًا دعمًا سياسيًا واضحًا للحقوق المائية المصرية، وأكدت الأهمية الحيوية لنهر النيل باعتباره شريان حياة رئيسيًا لمصر. كما عكست البيانات المشتركة بين القاهرة وبكين إقرار الصين بأن نهر النيل يمثل شريان الحياة الأساسي لمصر، وبحقها في حماية أمنها المائي والغذائي. ومع تشديد بكين على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي، دعت دول حوض النيل إلى احترام القواعد الدولية، بما في ذلك تجنب الإضرار بالدول الواقعة على مجرى النهر، مثل مصر.


ويعكس هذا التقارب تطورًا في الموقف الدبلوماسي الصيني وتحولًا ملحوظًا في تعامل بكين مع قضية الأمن المائي المصري، وهو تحول جاء نتيجة جهود دبلوماسية متواصلة.


ولا تقدم الصين نفسها وسيطًا مباشرًا أو صريحًا في المفاوضات المعقدة بين مصر وإثيوبيا، إذ تحرص على عدم الانخراط في النزاعات السياسية الحساسة. لكن مصالحها المشتركة مع إثيوبيا تمنحها نفوذًا على مراكز صنع القرار في أديس أبابا. وتدين إثيوبيا للصين بمبالغ كبيرة، كما ترتبط بها مشروعات استثمارية صينية ضخمة في العاصمة الإثيوبية، فيما تنظر بكين إلى إثيوبيا باعتبارها مركزًا حيويًا لنفوذها في القرن الإفريقي، وهي منطقة بالغة الأهمية للمصالح الصينية.


وفي ضوء الاستثمارات الصينية الكبيرة والعلاقات الوثيقة مع إثيوبيا، تفضل بكين التواصل الهادئ ودعم الاستقرار في القرن الإفريقي بدلًا من ممارسة ضغوط علنية. وفي هذا الإطار، تنسق القاهرة وبكين مواقفهما عبر الشراكة الاستراتيجية الشاملة ومنصات التعاون الإفريقي، بما يحافظ على علاقات الصين مع مختلف أطراف الأزمة.


وتبرز الديون السيادية الإثيوبية للصين وإمكانية إعادة جدولتها باعتبارها إحدى أهم أدوات النفوذ المتاحة لبكين. فالصين هي أكبر دائن لإثيوبيا، وتمول الجزء الأكبر من مشروعات البنية التحتية فيها، ما يمنحها قدرة على استخدام عبء الديون المتراكمة للضغط على حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد من أجل التعامل مع أزمة سد النهضة مع مصر.


وتواجه أديس أبابا أزمة اقتصادية حادة ونقصًا شديدًا في العملات الأجنبية، كما تحتاج بصورة مستمرة إلى المرونة الصينية لإعادة جدولة ديونها أو تخفيف أعبائها. ويمنح ذلك بكين نفوذًا سياسيًا واسعًا يمكنها من حث الحكومة الإثيوبية ورئيس الوزراء آبي أحمد على تقديم تنازلات دبلوماسية للقاهرة.


وتبرز هنا أداة رئيسية من أدوات «دبلوماسية الديون» الصينية تجاه إثيوبيا، إذ يمكن توظيف الديون الإثيوبية الضخمة لتحقيق مكاسب لمصر وكسر الجمود المحيط بأزمة سد النهضة. ويستند هذا الاحتمال إلى النفوذ الاقتصادي الكبير الذي تتمتع به الصين في إثيوبيا، باعتبارها أكبر دائن لها، فضلًا عن تمويلها نسبة كبيرة من مشروعات البنية التحتية، ومنها السكك الحديدية والسدود والمناطق الصناعية.
 

وفي المقابل، تعاني إثيوبيا أزمة اقتصادية حادة ونقصًا حرجًا في العملات الأجنبية وارتفاعًا في معدلات التضخم، ما يصعّب عليها الوفاء بالتزاماتها المنتظمة تجاه الصين. ويمكن لبكين، في هذا السياق، ربط إعادة جدولة الديون أو تمديد فترات السماح بقدر أكبر من المرونة الإثيوبية في المفاوضات مع القاهرة، بما في ذلك التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء سد النهضة وتشغيله.


غير أن صناع القرار الصينيين يحتاجون إلى تحقيق توازن دقيق بين المصالح المشتركة لبكين في كل من مصر وإثيوبيا. فالقاهرة وبكين تربطهما شراكة استراتيجية واقتصادية قوية، تتجلى في الاستثمارات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتسعى الصين إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني في مصر باعتبارها حليفًا إقليميًا مهمًا.


لكن حماية الاستثمارات الصينية في القاهرة تتطلب أيضًا معالجة الأزمات والقضايا العالقة المرتبطة بسد النهضة مع إثيوبيا. وقد يؤدي استمرار الأزمة إلى اندلاع مواجهة عسكرية كبيرة بين مصر وإثيوبيا أو إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، وهو ما قد يهدد مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا. ومن ثم، فإن الضغط الصيني على إثيوبيا لتسوية الأزمة مع مصر يخدم في الوقت نفسه مصالح بكين ويحمي استثماراتها.


وتتمثل إحدى أدوات النفوذ الأخرى في الاستثمارات المباشرة ومشروعات البنية التحتية، خاصة أن الصين تعد أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا وثاني أكبر شريك تجاري لها. وتتركز الاستثمارات الصينية في قطاعات حيوية، مثل الاتصالات والسكك الحديدية، ومن بينها خط أديس أبابا ـ جيبوتي، إلى جانب المناطق الصناعية.


ويمكن للصين نظريًا ممارسة الضغط على إثيوبيا عبر إبطاء الاستثمارات الجديدة أو تجميد الدعم الفني للمشروعات المستقبلية، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لخطط التنمية والنمو الاقتصادي الإثيوبية.


وتتداخل هذه المسألة مع المصالح الاقتصادية والتحالفات الجيوسياسية في القرن الإفريقي ومبادرة «الحزام والطريق» الصينية. فالشركات الصينية تستحوذ على حصة كبيرة من مشروعات البنية التحتية والطرق والاتصالات والمناطق الصناعية في إثيوبيا، بينما تمول البنوك والشركات الصينية جوانب تقنية وكهربائية مهمة مرتبطة بسد النهضة، بما في ذلك توربينات السد والمعدات الفنية وخطوط نقل الكهرباء التي تبلغ قيمة تمويلها نحو 1.2 مليار دولار.


كما تمتلك الصين نفوذًا مهمًا على إثيوبيا، في ظل استحواذ الديون المستحقة لبكين على نسبة كبيرة من الدين الخارجي الإثيوبي، واعتماد حكومة آبي أحمد إلى حد كبير على تمديد هذه القروض أو إعادة هيكلتها لتجنب الانهيار الاقتصادي.


لكن تحويل الأدوات الاقتصادية الصينية إلى وسيلة ضغط سياسي لإجبار حكومة آبي أحمد على تقديم تنازلات لمصر يواجه عقبات أساسية في العقيدة السياسية الصينية. وتأتي في مقدمة هذه العقبات سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إذ تتجنب الصين فرض شروط سياسية علنية مقابل استثماراتها، ما يحافظ على مكانتها كشريك مفضل للأنظمة الإفريقية مقارنة بالدول الغربية.


وتكتسب إثيوبيا في الوقت نفسه أهمية استراتيجية بالنسبة إلى بكين، التي تنظر إليها بوصفها بوابة رئيسية لنفوذها في شرق إفريقيا ومركزًا محوريًا لمبادرة الحزام والطريق. وقد يؤدي الإضرار بالعلاقات مع حكومة آبي أحمد إلى دفع أديس أبابا نحو قوى دولية أخرى أو تعريض مشروعات الاستثمار الصينية القائمة للخطر.


لذلك تفضل بكين نهج الوساطة الهادئة بدلًا من أساليب الضغط المباشر، مثل وقف الاستثمارات الصينية في أديس أبابا. ويعكس ذلك اعتماد الصين على الدبلوماسية الناعمة وغير المعلنة للحفاظ على توازنها مع مصر وإثيوبيا في آن واحد.


وتتمتع الصين أيضًا بعلاقات استراتيجية واقتصادية قوية مع مصر، إذ تجاوز حجم التجارة بين البلدين 25 مليار دولار في عام 2026، ما يدفع بكين إلى البحث عن صيغة متوازنة تحمي مصالحها في القاهرة وأديس أبابا. وتسعى الصين، عبر مبعوثها الخاص إلى القرن الإفريقي وشرق إفريقيا وإثيوبيا، إلى تقريب وجهات النظر والبحث عن حلول وسط تضمن الاستقرار الإقليمي، لأن اندلاع أي صراع عسكري أو اضطراب سياسي قد يهدد مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية المباشرة في البلدين.


ومن ثم، تمتلك الصين نظريًا نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا على حكومة آبي أحمد، لكنها تفضل توظيف هذا النفوذ باعتباره قوة ناعمة لتسهيل الحوار والوساطة الهادئة بدلًا من اللجوء إلى الضغوط القاسية، بما يضمن حماية مصالحها واستثماراتها دون الظهور بمظهر الطرف المنحاز في أزمة سد النهضة.

 


التمويل الصيني لسد النهضة ودور التكنولوجيا والكهرباء


رغم اعتماد إثيوبيا على التمويل الذاتي لبناء سد النهضة، قدمت الشركات والبنوك الصينية قروضًا كبيرة تجاوزت 3 مليارات دولار لتمويل التوربينات وتطوير البنية التحتية وخطوط نقل الكهرباء من السد إلى المدن الإثيوبية والدول المجاورة. ومن ثم، تستطيع الصين نظريًا ممارسة ضغط على إثيوبيا عبر تجميد عقود الصيانة الفنية أو الامتناع عن تمويل مشروعات السدود المستقبلية التي تخطط أديس أبابا لإنشائها على النيل الأزرق.


وتؤدي الصين دورًا مهمًا وحاسمًا في التمويل الفني والكهربائي المرتبط بسد النهضة والبنية التحتية الخاصة به. وعلى الرغم من هذا النفوذ الاقتصادي الواسع، تتبنى بكين سياسة حياد براجماتي وتتجنب استخدام هذا التمويل باعتباره أداة ضغط مباشرة وواضحة على إثيوبيا، حفاظًا على التوازن الدقيق والمصالح الاستراتيجية المشتركة التي تربطها بكل من القاهرة وأديس أبابا.


وتكشف طبيعة التمويل الصيني للكهرباء والبنية التحتية المرتبطة بسد النهضة عن أهمية هذا النفوذ وحدوده. فقد تحملت إثيوبيا تكاليف بناء السد مباشرة عبر السندات الوطنية والتبرعات، بينما ركزت الصين على الجوانب الفنية والكهربائية الحيوية للمشروع، من خلال تمويل خطوط نقل الكهرباء.


وفي عام 2013، قدمت الصين قرضًا بقيمة 1.2 مليار دولار لبناء شبكات نقل الكهرباء ذات الجهد العالي والمحولات اللازمة لربط السد بالمدن الإثيوبية الرئيسية والدول المجاورة. كما تعهدت بكين في عام 2019 بتقديم قرض إضافي بقيمة 1.8 مليار دولار لتحديث وتوسيع شبكة الكهرباء والبنية التحتية للطاقة المتجددة المرتبطة بمشروع سد النهضة.


وشاركت شركات صينية مملوكة للدولة أيضًا في توريد المعدات والتوربينات اللازمة للسد، ومن بينها Sinohydro وGezhouba وVoith Hydro Shanghai Group، حيث شاركت هذه الشركات مباشرة في توريد وتركيب التوربينات والمعدات الكهروميكانيكية الضرورية لتوليد الكهرباء من السد.


ومع ذلك، تفرض عدة قيود نفسها على استخدام التمويل الصيني كورقة ضغط في المفاوضات مع إثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة. فالصين، رغم امتلاكها نظريًا نفوذًا كبيرًا باعتبارها أكبر دائن لإثيوبيا ومطورًا رئيسيًا لشبكة الكهرباء فيها، تواجه قيودًا معقدة عند التفكير في استخدام هذا النفوذ سياسيًا.


وتأتي سياسة عدم التدخل في مقدمة هذه القيود، إذ تقوم السياسة الخارجية الصينية على تجنب التدخل الصريح في الشؤون الداخلية للدول الحليفة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي. كما تراعي بكين اعتبارات جيوسياسية مرتبطة بعلاقاتها مع مصر وإثيوبيا معًا.


وتستضيف إثيوبيا مقر الاتحاد الإفريقي وتعد مركزًا رئيسيًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، بينما تمثل مصر حليفًا استراتيجيًا مهمًا وبوابة رئيسية للتجارة الصينية إلى أوروبا عبر قناة السويس. كما أن طبيعة السد اللوجستية تعني أنه بعد اكتمال بنائه، سيصبح الضغط الصيني في الجوانب الكهربائية والفنية أقرب إلى أداة فنية محدودة منه إلى وسيلة قادرة على وقف المشروع بالكامل.


وفي المقابل، تمتلك مصر أوراق نفوذ اقتصادية يمكنها استخدامها لحث الصين على أداء دور أكثر ملاءمة للموقف المصري مع إثيوبيا، من خلال تفعيل الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع بكين. وتسعى القاهرة إلى الاستفادة من المرحلة الحالية التي تشهد ازدهارًا في العلاقات المصرية الصينية لتشجيع بكين على تبني دور وساطة هادئ وفعال في أزمة سد النهضة.


كما تشكل الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وحجم التجارة الكبير بين الصين ومصر حوافز تدفع بكين إلى إيلاء الأمن المائي المصري اهتمامًا أكبر. ويمكن لمصر الاستفادة من الدور الصيني في الوساطة الفنية بشأن إدارة أزمة سد النهضة، خصوصًا أن الصين تمتلك خبرة واسعة في إدارة السدود الكبرى، بما يسمح لها بتقديم حلول تتعلق بتقاسم المياه وإدارة فترات الجفاف خلال تشغيل التوربينات.


وترى الدكتورة نادية حلمي، بصفتها أكاديمية وخبيرة مصرية معروفة في الشؤون السياسية الصينية، أن صناع القرار الصينيين ينبغي أن يتبنوا نهجًا أكثر نشاطًا، يقوم على الوساطة الصينية بدلًا من ممارسة الضغط على إثيوبيا لحل أزمة سد النهضة مع مصر.


ويمكن للصين أن تتدخل باعتبارها وسيطًا تكنولوجيًا وتنمويًا لمعالجة الأزمة المتصاعدة بين مصر وإثيوبيا، عبر طرح بدائل إقليمية تضمن سلامة التشغيل الفني للسد. ويمكن لبكين تقديم حلول هندسية لإثيوبيا تضمن توليد الكهرباء باستخدام التوربينات الصينية دون الإضرار بتدفقات المياه إلى مصر والسودان.

كما تكتسب مشروعات الربط الإقليمي أهمية كبيرة في معالجة أزمة سد النهضة ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. ويمكن للصين دعم مشروعات تنموية موازية في مصر لتعويض أي عجز في المياه أو الطاقة، مثل شبكات الكهرباء العابرة للحدود والسكك الحديدية الإقليمية، بما يخفف من حدة الصراع الجيوسياسي بين مصر وإثيوبيا.


ولا يقتصر النفوذ الصيني على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل يمتد أيضًا إلى المجال الدبلوماسي الدولي، ولا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فقد اعتمدت إثيوبيا تاريخيًا على الدعم الصيني والروسي داخل المجلس لعرقلة أي قرارات أو تحركات مصرية وسودانية تهدف إلى تدويل أزمة السد أو فرض عقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

لكن التحول النسبي في لهجة الصين وتأكيدها العلني حق مصر في حماية أمنها المائي يمثلان إشارة واضحة إلى أديس أبابا مفادها أن الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية لم يعد شيكًا على بياض. وقد تختار بكين الامتناع عن التصويت أو دعم مسارات تفاوضية ملزمة دوليًا لدفع إثيوبيا نحو تسوية أزمة سد النهضة مع مصر.

 


مجلس الأمن والمصالح الصينية بين القاهرة وأديس أبابا


ارتبط الغطاء الدبلوماسي الصيني لإثيوبيا داخل مجلس الأمن تاريخيًا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ورفض تدويل النزاعات الإقليمية. وأسهم هذا الموقف، إلى جانب الموقف الروسي، في منع صدور أي قرار ملزم ضد أديس أبابا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.


وتفضل الصين، من جانبها، الإطار الإفريقي لمعالجة أزمة سد النهضة وغيرها من النزاعات في القارة، وقد ضغطت باستمرار للإبقاء على الأزمة داخل الاتحاد الإفريقي، وهو مسار استفادت منه إثيوبيا لكسب الوقت وفرض أمر واقع عبر مراحل متتالية من ملء السد.


لكن الشراكة الاستراتيجية بين الصين ومصر دفعت بكين إلى إعادة النظر نسبيًا في موقفها تجاه حق القاهرة في حماية أمنها المائي والغذائي. وتنظر الصين إلى مصر باعتبارها بوابة رئيسية لمبادرة الحزام والطريق العالمية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ولا ترغب في خسارة حليف استراتيجي مهم مثل مصر التي تسيطر على قناة السويس.


كما تؤدي الدبلوماسية العربية الصينية دورًا مهمًا في تسوية النزاعات وتنسيق المواقف المشتركة. فقد وسعت الصين نفوذها في المنطقة العربية عبر القمم العربية الصينية، وأدركت أن الدعم غير المشروط لإثيوبيا قد يضر بعلاقاتها مع كتلة دولية وإقليمية مهمة تدعم الموقفين المصري والسوداني.


وفي المقابل، تدرك بكين أن أي تصعيد عسكري أو انهيار أمني في القرن الإفريقي وحوض النيل سيضر بالاستقرار الإقليمي ويهدد بصورة مباشرة الاستثمارات الصينية الضخمة في مصر وإثيوبيا.


وعند النظر إلى مستقبل الموقف الصيني في أزمة سد النهضة، فإن عودة الملف إلى مجلس الأمن لن تعني بالضرورة استخدام بكين حق النقض بصورة حاسمة لمصلحة إثيوبيا. وقد تختار الصين بدلًا من ذلك الامتناع عن التصويت لصالح أديس أبابا، بما يسمح بمرور قرارات داخل المجلس تدعو إلى حل ملزم لأزمة السد، دون إحراج الحكومة الإثيوبية بصورة مباشرة.


كما تستطيع بكين ممارسة ضغوط خلف الكواليس لدفع إثيوبيا نحو توقيع اتفاق قانوني ملزم مع مصر ينظم قواعد ملء السد وتشغيله، مع ضمان عدم المساس بالأمن المائي المصري.


وتشير المقارنة التي أعدتها الباحثة المصرية لصناع القرار الصينيين إلى اختلاف الأهمية الاستراتيجية لكل من مصر وإثيوبيا بالنسبة إلى بكين. فمصر تتمتع بأهمية جيوسياسية استثنائية بفضل سيطرتها على قناة السويس، التي تشكل عنصرًا رئيسيًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية، إلى جانب استثمارات صينية ضخمة تتجاوز 12 مليار دولار، تشمل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة.


وفي المجال العسكري، تشهد العلاقات المصرية الصينية نموًا واضحًا، بما في ذلك مناورات «نسور الحضارة» والتعاون في تصنيع الطائرات المسيّرة. وفي المقابل، تتمتع إثيوبيا بأهمية جيوسياسية باعتبارها تقع في قلب القرن الإفريقي وتستضيف مقر الاتحاد الإفريقي، كما تعد الصين أكبر مستثمر أجنبي وممول رئيسيًا للبنية التحتية وشبكات الطاقة الإثيوبية.


وتوضح هذه المعطيات أن المصالح الصينية مع مصر تتمتع بثقل استراتيجي كبير في المجالات البحرية الدولية والاستثمارات الصناعية الكبرى، ولا سيما قناة السويس. وقد يدفع ذلك بكين تدريجيًا إلى التخلي عن سياسة الحياد المطلق، والانتقال إلى ممارسة ضغوط هادئة على إثيوبيا لقبول اتفاق قانوني ملزم ينهي أزمة سد النهضة مع مصر.


وفي نهاية المطاف، قد يشكل الحفاظ على استقرار المنطقة شرطًا أساسيًا لحماية الاستثمارات الصينية ومصالح مبادرة الحزام والطريق. ومن هذا المنطلق، قد تجد بكين نفسها أمام فرصة لتوظيف نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي في صياغة تسوية بين القاهرة وأديس أبابا، دون التخلي عن سياسة عدم التدخل أو الظهور بمظهر الطرف المنحاز إلى أي من الجانبين.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/09/06/china-gerd-leverage-egypt-ethiopia/